اقداء التابعين بالصحابة في دفع الصدقة :
- كان عروة ابن الزبير ابن العوام من كبار التابعين ومن الفقهاء السبعة ممن جمع بين العلم والعمل وكان له بستان في المدينة من أعظم البساتين فيها وأحسنها يتعاهده بإصلاحه حتى أنه كان يبني على جنباته أصوارا حفظا له من الهوام والعبث حتى إذا جاء وقت حصاده كسر بعض جوانبه ليأكل منه الناس والمارة بإذن منه فكانوا يدخلونه، ويأكلون من ثمره ما لذ لهم الأكل، ويحملون منه ما طاب لهم الحمل. وكان كلما دخل بستانه هذا ردد قوله جل وعز: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ﴾ [الكهف: 39].
وكان يُعد الصدقة هدية تُهدى لله عز وجل، فيقول لأبنائه: لا يهدين أحدكم إلى ربه ما يستحي أن يهديه إلى عزيز قومه... فإن الله تعالى أعز الأعزاء، وأكرم الكرماء، وأحق من يختار له.
نماذج الإنفاق في سبيل الله - نماذج من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة .
- كان عبد الله ابن المبارك رحمه الله إذا جاء وقت الحج، اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم، فيجعلها في صندوق، ويقفل عليها، ثم يكتري لهم، ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم، ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي، وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طُرفها؟ فيقول: كذا وكذا، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا قضوا حجهم، قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو، فيجصص بيوتهم وأبوابهم، فإذا كان بعد ثلاثة أيام، عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسروا، دعا بالصندوق، ففتحه، ودفع إلى كل رجل منهم صرته عليها اسمه"[29].
وحدثت معه أمور َعجيبة منها أنه "خرج إلى الحج، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على مزبلة، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، فكشف عن أمرها وفحص، حتى سألها، فقالت: أنا وأختي ها هنا، ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وقد حلت لنا الميتة، وكان أبونا له مال عظيم، فظُلم وأخذ ماله وقُتل، فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ فقال: ألف دينار، فقال: عد منها عشرين دينارًا تكفينا إلى مرو، وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع!
لمزيد من المعلومات إقرأ المقال التالي مبادرة و مسابقة الصحابة في الانفاق في سبيل الله
وقال إسماعيل بن عياش: "ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة، فكان يطعمهم الخبيص [31]، وهو الدهرَ صائمٌ"[32].
فضل الصدقة و أهميتها في الدنيا و الآخرة.
وكان من القلائل في باب قضاء حوائج الخلق التنفيس عن كربهم فقد "كان ابن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان، فكان شابًّا يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، فقدم عبدالله مرةً فلم يره، فخرج في النفير مستعجلًا، فلما رجع سأل عن الشاب، فقيل: محبوس على عشرة آلاف درهم.
فاستدل على الغريم، ووزن له عشرة آلاف، وحلَّفه ألا يخبر أحدًا ما عاش، فأخرج الرجل، وسرى ابن المبارك، فلحقه الفتى على مرحلتين من الرقة، فقال لي: يا فتى أين كنت؟ لم أرك!
قال: يا أبا عبدالرحمن، كنت محبوسًا بدَين، قال: وكيف خلصت؟ قال: جاء رجل فقضى ديني، ولم أدر، قال: فاحمد الله، ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبدالله".

تعليقات
إرسال تعليق
أهلا بك نتشرف بتعليقك على المحتوى لتشجيعنا و بإمكانك إقتراح مواضيع لتقديمها .شكرا