كثير من المسلمين يجهل حقيقة الصدقة الجارية وأهميتها وفوائدها على الفرد و المجتمع، و لذا سنقدم في هذا المقال مختصرا عن مفهوم الصدقة الجارية و أدلة عنها من الكتاب و السنة و أمثلة للصدقات التي يمكنك من خلالها كسب ثواب هذه الطاعة العظيمة و سنذكر مفهوم الوقف و شروطه بإذن الله .
من خصائص هذه الأمة أنها أمة مباركة يضاعف للعامل فيها بإخلاص الأجر والثواب و لأن دخول الجنة يكون برحمة الله و المنزلة وعلو الدّرجات يكون حسب العمل وبين الدرجة والتي فوقها كما يرى الإنسان النَّجم يلوح في السّماء .
لذلك حثنا الخالق سبحانه على المبادرة بالعمل الصالح في غير ما آية وفي كثير من النصوص النبوية منها الصدقة الجارية التي يجهل كثير من المسلمين حقيقتها وأهميتها وفوائدها على الفرد و المجتمع لذلك ارتأينا من خلال هذه السطور التنويه على هاته النقاط ليستفيد القارئ لعل الله ينفع بها في الدنيا والآخرة .
1_ماهية الصدقة الجارية وحقيقتها:
- الصدقة الجارية ، قال(شاه ولي الله الدهلوي) في كتابه الفريد (حجة الله البالغة) عن الوقف: (هو من التبرُّعات، كان أهل الجاهلية لا يعرفونه، فاستنبطه النبي صلى الله عليه وسلم، لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيرًا ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، وتجيء أقوام آخرون من الفقراء، فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامَّة من أن يكون شيء حبسً.
- فلم تعرف الأمم السابقة لأمة الإسلام هذا النوع من الإنفاق بل إن قصة هذا العمل الجليل العظيم قدره أول ما بدأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ رضي الله عنه أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُقَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وتَصَدَّقْتَ بِهَا، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولَا يُورَثُ، ولَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وفِي الْقُرْبَى، وفِي الرِّقَابِ، وفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وابْنِ السَّبِيلِ، والضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ ولِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، ويُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. قال النووي في شرحه هذا الحديث وفي رواية ( غير متأثل مالا ) . أما قوله : ( هو أنفس ) فمعناه : أجود ، والنفيس الجيد ، وقد نفس بفتح النون وضم الفاء نفاسة ، واسم هذا المال الذي وقفه عمر ( ثمغ ) بثاء مثلثة مفتوحة ثم ميم ساكنة ثم غين معجمة . وفي هذا الحديث : دليل على صحة أصل الوقف ، وأنه مخالف لشوائب الجاهلية ، وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير ، ويدل عليه أيضا إجماع المسلمين على صحة وقف المساجد والسقايات ، وفيه فضيلة الوقف ، وهي الصدقة الجارية ، وفيه فضيلة الإنفاق مما يحب . وفيه فضيلة ظاهرة لعمر - رضي الله عنه - . وفيه مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير . وفيه أن خيبر فتحت عنوة وأن الغانمين ملكوها واقتسموها ، واستقرت أملاكهم على حصصهم ونفذت تصرفاتهم فيها . وفيه فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم .
2-الصدقة الجارية في قصص الصحابة رضوان الله عليهم
- أمثلة عن الصدقة الجارية من أثر عثمان بن عفان رضي الله عنه:
3_أمثلة عن الصدقة الجارية التي يدوم نفعها:
في الحقيقة طرق الصدقة الجارية و مصاريفها كثيرة ومتنوعة وكلما كان الخلق أحوج إليها كانت أنفع للمتصدق بها :
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. والأثر
سئل الشيخ العثيمين رحمه الله عن هذا الحديث فكان من جوابه: معناه أن الإنسان إذا مات فإنه ينقطع عمله، لأنه مات، والعمل إنما يكون في الحياة إلا من هذه الأمور الثلاثة،لأنه هو السبب فيها.
أولا: الصدقة الجارية، وهي الخير المستمر، مثل: أن يوقف الرجل بستانه على الفقراء أو يوقف عقاره على الفقراء، فإن الفقراء ما داموا ينتفعون بهذا العقار أو ينتفعون بثمرة هذا البستان فإنه يكتب له، وهو أجر حاصل بعد موته، لكن هو السبب في إيجاده.
ثانيا: العلم الذي ينتفع به، بأن يعلم الناس ويدلهم على الخير، وعلى فعل المعروف، فإذا علم الناس وانتفعوا بعلمه بعد موته، فإن له أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، لأن الدال على الخير كفاعل الخير، وهذا دليل على بركة العلم وفائدته في الدنيا والآخرة.
ثالثا: فهو الولد الصالح الذي يدعو له بعد موته، لأن الولد من كسب الإنسان، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: ( أو ولد صالح يدعو له ) لأن غير الصالح لا يهتم بنفسه فلا يهتم بأبيه أو أمه، وفيه إشارة إلى أنه من المهم جدا أن يربي الإنسان أولاده تربية صالحة حتى ينفعوه في حياته وبعد مماته.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ( أو ولد صالح يدعو له ) إشارة إلى أن الدعاء للأب أو لغيره من الأقارب أفضل من أن يقوم الإنسان بعبادة يتعبد لله بها ويجعل ثوابها لهم.
لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل: أو ولد صالح يصلي له أو يصوم له أو يتصدق له مع أن سياق الحديث في العمل ( انقطع عمله إلا من ثلاث ) فلو كان عمل الإنسان لأبيه بعد موته مما يندب إليه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن يكون دعاء الإنسان لوالديه أفضل من أن يسبح أو يقرأ أو يصلي أو يتصدق ويجعل ثواب ذلك لهم، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح فليجعل العمل الصالح لنفسه، وليدعو لوالديه بما يحب.انتهى كلامه رحمه الله منه أفضل صدقة جارية لميت ولده الصالح يدعو له.
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عليه قال : "سَبْعَةٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ أَجْرَى نَهَرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ".
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: تَصَدَّق بِأَصْلِهِا، لَا يُبَاعُ، ولَا يُوهَبُ، ولَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ.
قال النووي في شرح حديث: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية ـ وكذلك الصدقة الجارية: وهي الوقف. انتهى.
الوقف هو: حبس الأصل عن بيع أو تصرف إلا بما اشترطه المتصدق وتسبيل المنفعة، بمعنى أن توقف عينا لها منفعة على الفقراء مثلا يملكون منافعها، وتبقى العين موقوفة لا تباع ولا توهب إلا إذا تعطلت منافعها فيجوز بيعها بإذن من الوالي أو المسؤول واستبدالها بأخرى أفضل منها وأنفع للمتصدق بها و أعم .
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته" رواه ابن ماجه. وابن خزيمة والبيهقي .
و في الختام نذكر ما قاله الإمام السيوطي فيما ينفع الميت حتى بعد موته حيث قال:
- إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من خصال غير عشر
- علوم بثها ودعاء نجل وغرس النخل والصدقات تجري
- وراثة مصحف ورباط ثغر وحفر البئر أو إجراء نهر
- وبيت للغريب بناه يأوي إليه أوبناء محل ذكر
- وتعليم لقرآن كريم فخذها من أحاديث بحصر
تعليقات
إرسال تعليق
أهلا بك نتشرف بتعليقك على المحتوى لتشجيعنا و بإمكانك إقتراح مواضيع لتقديمها .شكرا